القاضي النعمان المغربي
145
تأويل الدعائم
من ذلك بما شاء أن يجزيهم به في الآخرة ويستر من دونهم ما شاء أن يستره ويعفو لهم عنه لأن أولياء اللّه ومن أقاموه لحفظ أعمال عباده يعلمون كلّ ما يعملون ويطلعون على غيهم كله كما ادعى ذلك لهم المفترون عليهم المتقولون للناس ما لم يقولوه لهم وكذلك إنما علمهم اللّه من العلم وأطلعهم من الغيب بقدر درجاتهم وحدودهم على ما شاء وتفرد تعالى بعلم الغيب كله والعلم بأسره ومن ذلك قول اللّه تعالى : « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » « 1 » يعنى الحدود بين كل ناطقين ليعلم أن قد ابلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا فاللّه هو المحيط بعلم الغيب كله ويطلع من ذلك من شاء من رسله وحدود دينه على ما شاء سبحانه أن يطلعهم عليه أن يعطى كل واحد منهم من القوة ما شاء أن يعطيه مما ينظر به في أمور من استحفظه إياه من عباده ومن ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المؤمن ينظر بنور اللّه يعنى الرسول والإمام ومن دونهما من الحدود لأن اسم الإيمان يجمعهم وكلهم آمن باللّه كما قال تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ » كما قال على صلى اللّه عليه وسلم لبعض حدوده الذين أقامهم وقد ذكر له عن بعض من استرعاه أمره شيئا إنك لتنظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق . وكما قال الصادق صلى اللّه عليه وسلم اتقوا فراستنا فيكم فإنا ننظر بنور اللّه إليكم ، وجاء عن أولياء اللّه من الإخبار عما كان ويكون من أمر العباد ما يخرج ذكره عن حد ما بسطناه لطوله وذلك مما أطلعهم عليه وأمدهم به على سبيل ما قدمنا ذكره على قدر طبقاتهم ودرجاتهم وما أعطوه من ذلك حتى إن الولي من أوليائهم دون المأذون له في شيء من أمور الدين قد يصفو جوهره بقدر ما فيه من الإيمان والإخلاص فيظن الظن ويتوهم التوهم ويقدر الأمر فيكون ذلك كما ظن وتوهم وقدر وهذا موجود في الناس قد يهب اللّه ما شاء منه لمن شاء فيما شاء وقد يصيبون بذلك ويخطئون وذلك على قدر ما يفتح لهم فيه ويمدون من فضل اللّه به ومن هذا الوجه وما يجرى هذا المجرى ما تكون الرؤيا في المنام من الصحيح دون أضغاث الأحلام وبقدر صاحب الرؤيا ومنزلته . كما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال أصدق الرؤيا رؤيا ملك
--> ( 1 ) سورة الجن : 27 .